سيد قطب
3477
في ظلال القرآن
وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ، يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها ، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها ، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ . يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ » . . وهذا المطلع بذاته وبإيقاعاته كاف وحده ليهز القلوب هزا . ويوقع فيها الرهبة والخشية والارتعاش ، كما يوقع فيها الرغبة الحية في الخلوص للّه والالتجاء إليه ، والتجرد من العوائق والأثقال المعوقة عن تلبية الهتاف إلى الخلاص من الشح بالأنفس والأموال . ولكن سياق السورة تضمن كثيرا من المؤثرات تتخلل ذلك الهتاف وتؤكده في مواضع شتى . كتلك الصورة الوضيئة للمؤمنين والمؤمنات « يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ » . . وتلك الصورة التي تقرر ضآلة الحياة الدنيا وقيمها إلى جانب قيم الآخرة وما يتم فيها من الأمور الكبار . كذلك جاءت لمسة أخرى ترد القلوب إلى حقيقة القدر المسيطرة على الوجود : « ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها . إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ . وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ . الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ، وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » . . كي تستقر النفس وتطمئن لما يصيبها من خير أو شر ، وهي في طريقها إلى اللّه . فلا تطير جزعا ، ولا تبطر فرحا ، وهي تواجه الضراء والسراء . ولا تشرك باللّه سببا ولا ظرفا ولا حادثا . فكله بقدر مقسوم لأجل معلوم . ومرد الأمر كله في النهاية إلى اللّه . وقد سار سياق السورة في علاج موضوعها في شوطين اثنين أثبتنا أولهما في صدر هذا التقديم . وجاءت فقرات كثيرة من الشوط الثاني في خلاله . وهما مترابطان مطردان . فنكتفي بهذا القدر ، لنسير مع سياق السورة بالتفصيل . « سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ، يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها ، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ . يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ » . . هذا المطلع الموحي المختار . وما حشد فيه من خصائص الألوهية الفاعلة المؤثرة المبدعة لكل شيء ، المحيطة بكل شيء ، المهيمنة على كل شيء ، العليمة بكل شيء . وما تعرضه من إبداع اليد القادرة وهي تجول في محيط السماوات والأرض ، وتتلطف إلى خبايا الصدور وطوايا القلوب ، وتشرف من عل على الوجود وما فيه ومن فيه . . هذا المطلع الموحي المختار يتناول القلوب ، فيهزها هزا ، ويأخذها أخذا ، وهو يجول بها في الوجود كله فلا تجد إلا اللّه ، ولا ترى إلا اللّه ، ولا تحس بغير اللّه ، ولا تعلم لها مهربا من قدرته ولا مخبأ من علمه ، ولا مرجعا إلا إليه ، ولا متوجها إلا لوجهه الكريم : « سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . . هكذا ينطلق النص القرآني الكريم في مفتتح السورة ؛ فتتجاوب أرجاء الوجود كله بالتسبيح للّه . ويهيم كل شيء في السماوات والأرض ، فيسمعه كل قلب مفتوح غير محجوب بأحجبة الفناء . ولا حاجة لتأويل